"الجرف الصامد" غول يقض مضاجع أطفال غزة

غزة - أميمه العبادلة:
كُنت أظن الغول في روايات الأمهات القديمة لأطفالهن خيالي، لكني صرت في كل ليلة حرب على غزة أزداد إيماناً أن الغول مخلوق حقيقي، ويحاول التجمل بارتداء عباءة للتمويه اسمها إسرائيل غير أن أفعاله الشنيعة تدل عليه.
جميع مسلسلات الحرب الهمجية على غزة -التي لا تكاد تنتهي حتى تبدا مرة أخرى- لها مسميات غريبة وقميئة كقماءة الغول نفسه: الكرة المتدحرجة، أمطار الصيف، أيام الندم، الجحيم، الرصاص المصبوب، عامود السحاب، الجرف الصامد، وغيرها.

سنموت..!
"هل سنموت جميعاً..؟!" سؤال صادم من الطفلة (روان 4 أعوام) والتي من المفترض أنها أصغر بكثير من أن تعي قصص الموت. صمتُ أمامها، ونظرت لأمها التي ردت على حيرتي بتنهيدة حارة وقالت لي: "اسأليها ما الذي سيحصل للأطفال في غزة!". كانت إجابة روان غريبة ومدهشة لمثل سنها، قالت: "إسرائيل ستقتل أهلي وأهل جيراننا وكل الأهل وسنبقى نحن الصغار وحدنا، سنضيع وسنشحذ على الطرقات وأخوتي الأولاد سيصبحون مجرمين لأن أهلنا سيكونون قد ماتوا ولن يكون لنا بيت".

أما مها فتعاني من بداية الحرب مع طفليها التوأم حديثي الولادة، تقول: "إنهما يبكيان بصورة غير طبيعية مع القصف، وكأنهما يفهمان شيئا، حاولت وضع القطن في آذانهما لتخفيف حدة القصف على مسامعهما لكني أشعر أنه دون فائدة أمام البكاء والحالة العصبية الغريبة التي تنتابهما سويا وفي وقت واحد هذا يجعلني أجلس بجوارهما عاجزة وأبكي أنا أيضا خوفا عليهما وخوفا من قلة حيلتي".

تصف لنا أم (أحمد 10 أعوام) سلوك ابنها في الحرب: "بصراحة أنا قلقة عليه، أراه يتسمر أمام شاشة التلفاز بمجرد وصول الكهرباء لبيتنا ويتابع ما تنقله وسائل الإعلام حول استهداف المدنيين والأطفال وهو فاغر فاه ومشدوه تماما بحيث لو أنني أنادي عليه فلا ينتبه.. ويستمر هكذا حتى تنقطع الكهرباء بعدها يتقوقع في زاوية المجلس ولا ينطق بكلمة حتى أنه يظل صامتا حين القصف، وكلما حاولت إخراجه مع والده للصلاة كالعادة يبدأ في البكاء والتوسل أن أبقيه عندي" مشيرة إلى أنها تسمعه يهلوس وهو نائم بكلمات متقطعة وغير مفهومة لكنها تدل على أنه يتصارع مع أحد في المنام".

ألعاب نارية
أبو محمد يخبرنا عن ابنته (ملك 5 أعوام): "بمجرد سماعها لصوت القصف حتى تتسمر في مكانها وترتعد أطرافها وكأنها في القطب المتجمد وتبوء كل محاولاتي وأمها في إلهائها عن القصف.. حاولت أن أغريها بالحلوى وأتحايل عليها بأن ما تراه ألعاب نارية كالتي في العيد وأنهم يطلقوها الآن لأجل رمضان لكن على ما يبدوا أنها لا تصدق هذه الحيلة"..

"المشكلة، والحديث هنا لأبو محمد أن أختها التي تكبرها بعام صارت من بداية الحرب تتبول لا إراديا أثناء نومها وهو أمر كانت قد كبرت عليه.. هذه الحرب ستدمر نفسيات أبنائنا".

"(ليان 3 سنوات) تستيقظ  من نومها بمجرد سماع صوت الطائرة وتتشبث بي بكل قوتها وهي تصرخ بابا قصف". هذا ما أخبرنا به والدها الذي يحاول طمأنتها وهو يخشى أن يؤثر الأمر على سلوكها ونفسيتها فيما بعد لذلك يحاول أن لا يعرض الأخبار أمامها حتى لا تتأثر نفسيتها أكثر نظرا لأنها في أكثر السنوات خطورة والتي فيها يتم تحديد شخصيتها مستقبلاً.

ذكاء فطري
استضفنا د. جميل الطهراوي أستاذ الصحة النفسية المشارك بالجامعة الإسلامية والذي وضح لنا بدوره أن التعامل مع الأطفال لا يحتاج لدراسات وإنما يحتاج لذكاء فطري من قبل الأهل حول كيفية التعامل السليم مع الأطفال في ظروف كالحرب مثلا، واصفا الحرب الحالية بالمخيفة والمرعبة وغير المسبوقة: "لقد رأينا حروبا كثيرة لكن مثل هذه لم نرى، وحتى العالم كله لم تمر عليهم ظروف كظروفنا، حتى نحن الكبار نخاف، فما حال الأطفال؟!".

ويؤكد د. الطهراوي على أن  تدخلات الأهل من الممكن أن تخفف حدة التوتر والقلق عند الأطفال، مقترحا طرقاً علمية-نفسية من شأنها مساعدتهم في مثل هذه الظروف، على سبيل المثال: "اللعب مع الأبناء وإلهائهم عن ما يحدث بالخارج، اجتماع العائلة كلها والتعامل مع أمر القصف كلعبة بالتهليل جماعيا كلما وقع صاروخ للتغطية على صوت القصف من جانب ولتجاوز فكرة الخوف من جانب آخر".


ويشدد د. الطهراوي على أن يتفادى الأهل متابعة الأخبار أو مناقشتها أمام الصغار وعدم التعرض لقصص الأطفال الجرحى والشهداء في الحرب. حيث أن إدراكهم للأمور يختلف عن الكبار، وهذا من شأنه أن يؤثر سلبا على سلوكياتهم وهو أمر نسبي يختلف من حالة إلى أخرى فقد يصبح الطفل عدوانيا أو قد يصبح جبانا أكثر من اللازم. مهيبا بالآباء عدم الانفعال وإبداء العصبية أو الخوف أمام أطفالهم وعدم التحجج بسوء الأوضاع السياسية والاقتصادية نظرا لأن بساطة الأطفال يرضيها أي فعل مرح وبسيط كلعب الأب مع أبناءه وملاطفتهم..

شارك على جوجل بلس

.

    اكتب تعليق بحساب بلوجر
    اكتب تعليق بحساب فيسبوك

0 Post a Comment:

إرسال تعليق